ابن كثير

22

البداية والنهاية

يموت الفتى من عثرة بلسانه * وليس يموت المرء من عثرة الرجل فعثرته من فيه ترمي برأسه * وعثرته في الرجل تبرأ على مهل وذكر ابن عساكر أن المعتز لما حذق القرآن في حياة أبيه المتوكل اجتمع أبوه والامراء لذلك وكذلك الكبراء والرؤساء بسر من رأى ، واختلفوا لذلك أياما عديدة ، وجرت أحوال عظيمة . ولما جلس وهو صبي على المنبر وسلم على أبيه بالخلافة وخطب الناس نثرت الجواهر والذهب والدراهم على الخواص والعوام بدار الخلافة ، وكان قيمة ما نثر من الجواهر يساوي مائة ألف دينار ، ومثلها ذهبا ، وألف ألف درهم غير ما كان من خلع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر ، وكان وقتا مشهودا لم يكن سرورا بدار الخلافة أبهج منه ولا أحسن . وخلع الخليفة على أم ولده المعتز قبيحة خلعا سنية ، وأعطاها وأجزل لها العطاء ، وكذلك خلع على مؤدب ولده وهو محمد بن عمران ، أعطاه من الجوهر والذهب والفضة والقماش شيئا كثيرا جدا والله سبحانه وتعالى أعلم . خلافة المهتدي بالله أبي محمد عبد الله محمد بن الواثق بن المعتصم بن هارون ، كانت بيعته يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب من هذه السنة بعد خلع المعتز نفسه بين يديه وإشهاده عليه بأنه عاجز عن القيام بها ، وأنه قد رغب إلى من يقوم بأعبائها . وهو محمد بن الواثق بالله ، ثم مد يده فبايعه قبل الناس كلهم ، ثم بايعه الخاصة ثم كانت بيعة العامة على المنبر ، وكتب على المعتز كتابا ( 1 ) أشهد فيه بالخلع والعجز والمبايعة للمهتدي . وفي آخر رجب وقعت في بغداد فتنة هائلة ، وثبت فيها العامة على نائبها سليمان بن عبد الله بن طاهر ودعوا إلى بيعة أبي أحمد بن المتوكل أخي المعتز ، وذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامرا من بيعة المهتدي ، وقتل من أهل بغداد وغرق منهم خلق كثير ، ثم لما بلغهم بيعة المهتدي سكنوا ، - وإنما بلغتهم في سابع شعبان - فاستقرت الأمور واستقر المهتدي في الخلافة . وفي رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أم المعتز أموال عظيمة ، وجواهر نفيسة . كان من جملة ذلك ما يقارب ألفي ألف دينار ، ومن الزمرد الذي لم ير مثله مقدار مكوك ، ومن الحب الكبار مكوك ( 2 ) ، وكيلجة ياقوت أحمر مما لم ير مثله أيضا . وقد كان الأمراء طلبوا من ابنها المعتز خمسين ألف دينار تصرف في أرزاقهم وضمنوا له أن يقتلوا صالح بن وصيف فلم يكن عنده من ذلك شئ ، فطلب من أمه قبيحة هذه قبحها الله فامتنعت أن تقرضه ذلك ، فأظهرت الفقر والشح ، وأنه لا شئ عندها . ثم لما قتل ابنها وكان ما كان ، ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا ، وكان عندها من الذهب والفضة والآنية شئ كثير ، وقد كان لها من الغلات في كل سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار ، وقد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف عدو ولدها ، ثم تزوجت به وكانت تدعو عليه تقول : اللهم اخز صالح بن وصيف .

--> ( 1 ) نسخة الكتاب في الطبري 11 / 162 . ( 2 ) في الطبري : نصف مكوك